"سيدنا" الشيخ

محمود عيسى
محمود عيسى

 

 

في سنوات الطفولة المبكرة، كان أبي – رحمه الله – شأنَ معظم، إن لم يكن كلَّ الآباء، يحرص بشدّة على اصطحابي إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة.

 

من أهم ذكريات هذه الفترة، التي مرّ عليها نحو خمسة عقود، أن السلام على "سيدنا" الشيخ كان، كما لو أنه شرطٌ من شروط صحة الجمعة بالنسبة لي، ولم يكن السلام مجرّد مصافحة، وإنما كان لابد أن أقبّل يد الشيخ، تنفيذًا لأمر الوالد، الذي كان يتكرّر بلا مللٍ أو نسيان كلَّ جمعة: يا ولد بوس إيد مولانا!

 

بالطبع لا أقصد من سرد هذه الذكرى أن أدعو إلى تقديس أبناء الأزهر الذين يؤدّون رسالةً سامية بعملهم أئمّةً للمساجد وخطباءَ بالأوقاف، ولكن بالقطع أطالب بأن ينالوا ما يستحقّون من احترامٍ وتقدير، يتناسب مع دورهم.

 

من حق "سيدنا" الشيخ أن تتوافر له حياةٌ كريمة، تمكّنه من توفير مصادر علميّة يستطيع من خلالها أن يقدّم الإسلام في صورته الوسطية المشرقة، وأن يستطيع الحصول على زيٍّ أزهريٍّ يبدو به نظيفًا مهابًا، بل و"شيكًا" – إن صحّ التعبير – باعتباره من قادة الرأي والتعليم في المجتمع، شأنه شأن المعلّم الذي لابد أن يتوافر له ذلك أيضًا.

 

من حق "سيدنا" الشيخ أن تُقلع وسائل الإعلام والدراما عن تلك الصورة النمطية المخجلة أحيانًا، التي تُصرّ على إظهاره بها.

 

كما أن من واجب مولانا أن يرتقي بمستواه العلمي، ولغة خطابه الديني والشعبي أيضًا، وأن يستقي علومه التي سيقدّمها لروّاد مسجده من منابعها الأصيلة، كما علّمه الأزهر الشريف.

 

حقوقٌ كثيرة يستحقّها "سيدنا" الشيخ، وواجباتٌ عديدة عليه أن يقوم بها، لكن البداية المنطقيّة أن تتوافر له الحقوق الأساسية، ثم – وبالتوازي – نطالبه بالواجبات الأساسية أيضًا.